هاشم معروف الحسني
201
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
واشتد المرض بأبي طالب ، وبينما رسول اللّه قد انصرف في حاجة له وإذا بالناعي قد أقبل إليه يخبره بوفاته فمضى مسرعا إلى البيت الذي هو فيه فمسح جبينه الأيمن والأيسر كما كان هو يمسح جبينه ، ثم قال : رحمك اللّه يا عم ربيت صغيرا وكفلت يتيما ونصرت كبيرا فجزاك اللّه عني وعن الاسلام خير جزاء العاملين المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم وكل ما يملكون ، ثم بكى وأبكى من كان معه حول أبي طالب . لقد أحس أعداء محمد بالانفراج ساعة موته ، وكانوا من قبل يحسبون له الف حساب وحساب . لقد بكى محمد ويحق له ان يبكي لأن أبا طالب كان له أبا حين فقد أباه وعضدا وناصرا حين احتاج إلى الناصر والمعين ، ودافع عنه كيد قريش وجميع محاولاتها التي كانت تعدها لكي تبلغ منه ما تريد خلال عشر سنوات خلت لمبعثه ، وها هي الرسالة التي ناصرها أبو طالب بلسانه ويده وسيفه وجاهه وجميع ما يملك ، واستطاعت بواسطته ان تتسلق أسوار مكة وهضابها لتشيع وتنتشر بين قبائل الحجاز ، وتنطلق منها إلى ارجاء الدنيا الواسعة ، لقد أصبحت قريش تخطط لها من جديد ، ومن يدري ما ذا يحدث غدا بعدك يا أبا طالب . لقد بكى محمد واستعاد إلى ذاكرته في تلك اللحظات جميع تلك المواقف التي وقفها أبو طالب منذ كان صبيا إلى تلك المرحلة من حياته . تذكره وهو يقدمه على جميع أولاده في صباه ، ويوم تعلق بزمام ناقته وقد أراد ان يذهب في تجارة له إلى بلاد الشام وهو يقول له : إلى من تكلني ولا أب لي ولا أم ألجأ إليهما وهو يقول له ، والدموع تتقاطر من عينيه واللّه لا اكلك إلى غيري ثم مد يده وجذبه إلى صدره يشمه وأردفه خلفه ، وأقسم انه لا يفارقه أبدا ، وتذكر حديث الراهب مع عمه وكيف استولى الفزع على عمه وفضل ان يعود به سالما إلى مكة ، تاركا كل مغنم تجره عليه تلك الرحلة إلى